عبد الملك الجويني

77

الشامل في أصول الدين

للمعتزلة في إثبات هذا الأصل ، مع ما قدمناه من مناقضاتهم ، ولا معنى لإعادتها . القول في الأصل الثالث وهو يشتمل على إثبات استحالة تعري الجواهر عن الأعراض اعلموا - وفقكم اللّه - أن من مذهب أهل الحق أن الجواهر لا تخلو من الأعراض . ثم الأعراض تنقسم : فمنها ما يجمع ضروبا منها اسم واحد ، ثم هي مختلفة متضادة ، ومنها ما لا يوصف بالاختلاف . فأما ما وصف بالاختلاف والتضاد فمعظم الأعراض كاللون ، والطعم ، والكون ، والرائحة ، فكل قبيل من هذه الأجناس يتناول ضروبها اسم واحد ، وهي مختلفة متضادة . ثم اسم اللون ينطلق على مختلفات متضادة كالسواد والبياض ، والحمرة والصفرة . ولا يجوز خلو الجوهر عن ضرب من هذه الضروب ، ولا يجوز أن يحتمل ضربين منها معا . فإن المختلف من الألوان متضاد ، وكذلك القول في الطعم والريح والكون . ومن قبيل الأعراض ما لا يثبت فيه أضداد مختلفة ، وذلك نحو البقاء إذا أثبتنا البقاء معنى ، فليس له ضد يخالفه . وتحرير القول فيه أن الجوهر إذا كان في حالة يجوز أن يقبل البقاء فيها ، فلا تخلو عنه ، وليس له ضد يخالفه ، فنقول : إنه لا يخلو عنه أو عن ضده . وفي أضداد العلوم والقدر والإرادات كلام يطول تتبعه وسنوافي به في موضعه إن شاء اللّه . فهذا ما صار إليه أهل الحق . وذهب الدهرية إلى أن الجواهر القديمة كانت عرية عن الأعراض في الأزل ، وعمموا ذلك في جميع أجناسها : الأكوان منها وغير الأكوان . وذهب الصالحي - من المنتسبين إلى الملة - إلى جواز تعري الجواهر عن جميع الأعراض ، وافترقت مذاهب أهل البصرة وبغداد في ذلك . فصار البصريون إلى مع تعري الجواهر عن الأكوان ، وتجويز عروها عما عداها من الأعراض . وصار الكعبي ومتبعوه - وهم البغداديون - إلى منع تعري الجواهر عن الأكوان ، وتجويز تعريها عما عداها من الأعراض . وسبيلنا أن نوضح وجه الرد على الدهرية ، ثم ننعطف على الإسلاميين . [ وجه الرد على الدهرية ] فأما الرد على الدهرية من أوجه : أقربها أن نعرض الكلام عليهم في الأكوان فنقول : من يخالفنا في إثبات الجواهر في الأزل لا يخلو : إما أن يثبتها مجتمعة متلاصقة أو مفترقة